ابن كثير

153

البداية والنهاية

فضالة ، عن أبي سعيد قال قال لقمان لابنه : يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء . وهذا مجموع ما ذكره الإمام أحمد في هذه المواضع وقد قدمنا من الآثار كثيرا لم يروها كما أنه ذكر أشياء ليست عندنا والله أعلم . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا العباس بن الوليد ، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة قال : خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة . قال : فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة قال فأصبح ينطق بها . قال سعد سمعت قتادة يقول : قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك ؟ فقال : إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة ( 1 ) لرجوت فيه الفوز منه ( 2 ) ، ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكن خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي . وهذا فيه نظر لان سعيد بن بشير عن قتادة قد تكلموا فيه ، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) قال يعني الفقه والاسلام ولم يكن نبيا ولم يوح إليه . وهكذا نص على هذا غير واحد من السلف ( 3 ) منهم مجاهد وسعيد بن المسيب وابن عباس والله أعلم . قصة أصحاب الأخدود قال الله تعالى : ( والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود . إذ هم عليها قعود . وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود . وما نقموا منهم إلا أن يومئذ بالله العزيز الحميد . الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شئ شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) [ البروج : 1 - 10 ] . قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسيره هذه السورة ولله الحمد . وقد زعم محمد بن إسحاق : أنهم كانوا بعد مبعث المسيح ، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله . وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مرارا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع ، وأثر أورده ابن إسحاق ، وهما متعارضان وها نحن نوردهما لتقف عليهما . قال الإمام أحمد : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما فلأعلمه

--> ( 1 ) عزمة : عزائم الله فرائضه التي أوجبها على عباده . ( 2 ) في تفسير القرطبي : لرجوت فيها العون منه . ( 3 ) قال ابن عطية : عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين ، أحب الله تعالى فأحبه فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق . فقال : رب ، إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء ; وان عزمت علي فسمعا وطاعة " .